محمد بن جرير الطبري

425

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة : أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم وهو الذي خلقكم ورزقكم وهو يحييكم ويميتكم ، شيئا لا يملك لكم شرا ولا نفعا ؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله ، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابن ، لا يملك لهم ضرا يدفعه عنهم إن أحله الله بهم ، ولا نفعا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم . يقول تعالى ذكره : فكيف يكون ربا وإلها من كانت هذه صفته ؟ بل الرب المعبود الذي بيده كل شئ والقادر على كل شئ ، فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون . وأما قوله : والله هو السميع العليم فإنه يعني تعالى ذكره بذلك : والله هو السميع لاستغفارهم لو استغفروه من قيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح ، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه ، العليم بتوبتهم لو تابوا منه ، وبغير ذلك من أمورهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) * . . وهذا خطاب من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) . يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح : يا أهل الكتاب يعني بالكتاب : الإنجيل ، لا تغلوا في دينكم يقول : لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح ، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل ، فتقولوا فيه : هو الله ، أو هو ابنه ولكن قولوا : هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا يقول : ولا تتبعوا أيضا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدي في القول فيه ، فتقولون فيه كما قالوا : هو لغير رشدة ، وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية ، وهي صديقة . وأضلوا كثيرا يقول تعالى ذكره : وأضل هؤلاء اليهود كثيرا من الناس ، فحادوا بهم عن طريق الحق وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح . وضلوا عن سواء السبيل يقول : وضل هؤلاء اليهود عن قصد الطريق ، وركبوا غير محجة الحق وإنما يعني تعالى ذكره بذلك كفرهم بالله وتكذيبهم رسله عيسى ومحمدا ( ص ) ، وذهابهم عن الايمان وبعدهم منه . وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به .